محمد متولي الشعراوي

6126

تفسير الشعراوى

فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ « 1 » مُبِينٌ وقد جاءهم الحق على لسان الرسل - عليهم السّلام - وعلى كل إنسان أن يفهم أنه حين يستقبل من الرسول رسالة الحق ، فليفهم أنها رسالة ليست ذاتية الفكر من الرسول ، بل قد أرسله بها اللّه الخالق الأعلى سبحانه وتعالى . ولذلك فالمتأبّى « 2 » على الرسول ، لا يتأبّى على مساو له ؛ لأن الرسول هو مبلّغ عن اللّه تعالى ، واللّه سبحانه هو الذي بعثه ، ويجب على الإنسان أن يعرف قدر البلاغ القادم من اللّه الحق ؛ لأنه سبحانه هو الحق الأعلى ، وهو الذي خلق كل شئ بالحق : سماء مخلوقة بالحق ، وأرض مخلوقة بالحق ، وشمس تجرى بالحق ، ومطر ينزل بالحق ، وكل شئ ثابت ومتحرك بقوانين أرادها الحق سبحانه . ولو سيطر الإنسان - دون منهج - على قوانين الكائنات لأفسدها ؛ لأن الفساد إنما يتأتى مما للإنسان دخل فيه ، ويدخل إليه بدون منهج اللّه . والفساد إنما يجئ من ناحية اختيار الإنسان للبدائل التي لا يخضع فيها لمنهج اللّه تعالى . ولذلك إن أردتم أن تستقيم حياتكم استقامة الكائنات العليا التي لا دخل لكم فيها ، فامتثلوا لمنهج الحق وميزانه ؛ لأنه سبحانه هو القائل :

--> ( 1 ) اللام في كلمة « لسحر » للتوكيد . والمعنى : أن ما جئت به ما هو إلا سحر قوى ظاهر ، والسحر هو كل أمر يخفى سببه ، ويتخيّل على غير حقيقته بالتمويه والخداع ، قال تعالى عن سحرة فرعون : قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( 66 ) [ طه ] . ( 2 ) التأبى : الرفض والكراهية . [ اللسان : مادة ( أب ى ) ] .